الذهبي
190
تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام
ونحن يومئذ سبعة آلاف ، فبعث إليه : على أن تؤمّن أصحابي . ففعل ، فقام فحمد اللَّه ، وأثنى عليه ، ثمّ قال : إنّ اللَّه وليّ الأمور كلّها ، وحاكمها ، ما شاء اللَّه كان ، وما لم يشأ لم يكن ، كلّ ما هو آت قريب ، عجلتم بالأمر قبل نزوله ، والّذي نفسي بيده إنّ في أصلابكم لمن يقاتل مع آل محمد ما يخفى على أهل الشّرك أمر آل محمد ، وأمر آل محمد مستأخر ، والّذي نفس محمد بيده ليعودنّ فيهم [ ( 1 ) ] كما بدأ ، الحمد للَّه الّذي حقن دماءكم ، وأحرز دينكم ، من أحبّ منكم أن يأتي مأمنه إلى بلده آمنا محفوظا فليفعل . فبقي معه تسعمائة رجل ، فأحرم بعمرة وقلّد هديا ، فلمّا أردنا أن ندخل الحرم تلقّتنا خيل ابن الزّبير ، فمنعتنا أن ندخل ، فأرسل إليه محمد : لقد خرجت وما أريد أن أقاتلك ، ورجعت وما أريد أن أقاتلك ، دعنا ندخل ، فلنقض نسكنا ، ثم نخرج عنك . فأبى ، ومعنا البدن قد قلّدناها ، فرجعنا إلى المدينة ، فكنّا بها حتى قدم الحجّاج ، وقتل ابن الزّبير ، ثم سار إلى العراق ، فلمّا سار مضينا فقضينا نسكنا ، وقد رأيت القمل يتناثر من محمد بن الحنفيّة ، ثم رجعنا إلى المدينة ، فمكث ثلاثة أشهر ، ثمّ توفّي [ ( 2 ) ] . قلت : هذا خبر [ ( 3 ) ] صحيح ، وفيه أنّهم قضوا نسكهم بعد عدّة سنين . وقال ابن شعبان : أنبأ محمد بن عمر ، ثنا عبد اللَّه بن جعفر ، عن صالح بن كيسان ، عن الحسن بن محمد بن الحنفيّة قال : لم يبايع أبي الحجّاج لما قتل ابن الزّبير ، فبعث إليه : قد قتل عدوّ اللَّه . فقال أبي : إذا بايع الناس بايعت . قال : واللَّه لأقتلنّك ، قال : إنّ للَّه في كلّ يوم ثلاثمائة وستّين لحظة ، في كلّ لحظة منها ثلاثمائة وستّون قضية ، فلعلّه أن يكفيناك في قضية . قال : فكتب بذلك الحجّاج إلى عبد الملك ، فأتاه كتابه فأعجبه ، وكتب به إلى صاحب الروم ، وذلك أنّ ملك الروم كتب إليه يتهدّده ، أنّه قد جمع له جموعا كثيرة [ ( 4 ) ] .
--> [ ( 1 ) ] في طبقات ابن سعد « فيكم » ، وكذلك في حلية الأولياء . [ ( 2 ) ] طبقات ابن سعد 5 / 108 ، 109 ، تاريخ دمشق 15 / 373 أ ، حلية الأولياء 3 / 174 ، 175 . [ ( 3 ) ] في الأصل « جزء » . وقال المؤلف في سير أعلام النبلاء 4 / 125 « إسنادها ثابت » . [ ( 4 ) ] حدث في سنة 65 ه . / 685 م . - وهي السنة التي تولّى فيها عبد الملك بن مروان الخلافة